إهتمام مشترك !

        لقدْ آمنتُ كثيرا بكيفيةِ عقدِ الصداقاتِ عن طريقِ الاهتماماتِ المشتركة؛ فما يغلبُ على طابعِنا الحياتيِّ، مثلُ (كرة القدم) فحتى وإن كانتْ ألوانُ فريقِكَ الذي أحببتَ تقاطعتْ تماما معَ ما أحببتَ شخصيا، وكانتْ عداوةُ بعضِنا بعضا لاتعدو كونُها محيطةً بتشجيعِ فريقٍ ينهي موسمَه بفوزٍ أو خسارةِ  لقبٍ، فحينَها أكونُ قد كسبتُ صديقا أعقدُ معه موضوعاتٍ تخصُّ كرةَ القدمِ؛ فنسهبُ في الحديثِ دونَ توقف!

        ظهرَ لي عقدُ شراكةٍ للصداقةِ؛ ولكنْ من نوعٍ مختلفٍ وعلى صعيدٍ مختلفٍ، هو موجودٌ ولكنَّه قليلُ الحدوثِ، وإنْ حدثَ كانتْ أولُ علاقاتِه هي نظراتُ الأعينِ التي لا تكادُ تخفي احترامَها وإجلالهَا لما وقعَ عليه كلانا على حدٍّ سواء في مكانٍ لو وُزن بالذهبِ، (لرجح)!

       أتحدثُ هنا يا عزيزي، عن مشاركتِي إياك مكتبةً عامرةً نمشي بينَ الأرففِ ونتقاطعُ أنا وأنت في اهتمامٍ واحدٍ؛ فكلانا يبحثُ عنْ ما يُلهبُ شغفَه ويذكي لديه روحَ وحبَّ الاستطلاعِ الذي ما يزالُ يكبر ويتطاولُ معَ نهايةِ كلِّ فصلٍ في كلِّ كتابٍ يتمُّ غلقُه؛ لنتناولَ كتابا آخرَ في نفسِ البحرِ أو بحرٍ آخرَ!

        ما إن أرى أحدَهم في زاويةِ المقهى، أو صالاتِ انتظار المطاراتِ، أو زحامِ الطرقِ، وهو حاملٌ بيديه كتابا يحادثُه، ويحاورُه، ويناقشُ أفكارَه التي ترسَّخت فيبدلُها بجديدٍ، أو يضفي عليها شيئا من التثبُّثِ و التأكيدِ!

       هذا هو صديقي الذي شاركني اهتمامي حتى وإنْ لم نفتحْ معا جانبا من حوارٍ يجمعُنا ببعضٍ أو حتى تحيةٍ يلقيها أحدُنا على الآخر!

       أحُّب مجتمعَنا الذي يلغي فكرةً سقيمةً سابقةً؛ فقد كانَ حاملُ الكتابِ من وجهةِ نظرِ بعضِ أفرادِ المجتمعِ (دافورا، أو فيلسوفا، أو وحيدا) ولم يعلمْ مجتمعي ذلكَ بأنَّ الأمرَ الإلهيَ نزلَ بكلمةِ (إقرأ) كأولِ كلمةٍ قالَها جبريلُ-عليه السلام- لمحمدٍ عليه الصلاةُ والسلامُ!

       القراءةُ ليستْ رفاهيةً أو حتى موهبةً، بل واجبا متأصلا بالأمر (اقرأْ)؛ فبها تفتحُ عوالمُ كبيرةٌ من التساؤلاتِ التي تحملُ في طيَّاتِها أجوبةً تحتاجُ إلى صبرٍ ومجاهدةٍ؛ ولكنَّ المضمونَ فيها بالتأكيدِ هو تذكرةٌ مدفوعةُ الثمنِ إلى عوالمَ شتًى تذهبُ إليها سفرا على طائرةِ الأحرفِ!

       لا أبكي على اللبنِ المسكوبِ، ولا ألقي باللومِ على أحدٍ؛ ولكنْ كم تمنيتُ أن أكونَ قارئا نَهِما منذُ نعومةِ أظفاري، أسبرُ أغوارَ تلكَ البحورِ، وأكوِّنُ أفكاري، وأحملُ معي أيضا أفكارَ ما قرأتُ؛ حتى إذا وُضعتُ في مرحلةٍ حرجةٍ من مراحلِ الحياةِ، كاختيارِ تخصصي مثلا، فإذا بي أعرفُ في أيِّ بوصلةٍ سأتَّجهُ، وبأيِّ شغفٍ سأمطتي ركبَ الحياةِ التي سأشقُّ طريقَها....

حتما كنتُ سأنهي المئاتِ أو الآلافَ من الكتبِ التي ستدلُّني على طريقٍ واضحِ المعالمِ؛ ولكنْ على قدرِ ندمي ذلكَ فما زلتُ أقولُ بأنَّ للعمرِ بقيةً، وأنِّ تأتي خيرٌ مِن ألا تأتيَ مطلقا تلكَ الرغبةُ في الاستطلاعِ و القراءةِ!

        شعورُ اكتشافِ الجديدِ هو ما يحملُك على حبِّ نشوةِ الدَّهشةِ، تشعرُ بأنَّ هرموناتِ السعادةِ تنسكبُ على استشعاراتِ دماغِك، وتسري بها نحوَ باقي جسدِكَ، فتزدادُ عيناكَ تألقا، وتكبر حدقةُ عينيكَ ضعفَ ما كانتْ عليه، ويخفقُ قلبُكَ بسرعةٍ مدهشةٍ، تقومُ معه شعيراتُ جسدِكَ؛ احتراما لما وقعتْ عليه عيناكَ من كلماتٍ ووصفٍ لُغويٍّ عظيمٍ قادكَ لاكتشافِ شيءٍ تمَّ كشفُ النقابِ عنه منذُ سنينَ قد خلتْ وتولت 

         هي أكبرُ مما وصفتُ وأجملُ شعورٍ مما قد مررتُ به مِن قبلِ، تماما كمشاهدةِ فريقِكَ المفضَّلِ في (كرةِ القدمِ) وهو يسجِّلُ هدفَ الفوزِ في آخرِ دقيقةٍ من نهائي الكأسِ، وبقدمِ لاعبِكَ المحبوبِ!

         أتعرفُ ذلكَ الشعورَ المفعمَ بنشوةِ الانتصار؟!  هو ما كنتُ أعنيه و أكثرَ....  خُضْ هذا العالمَ و لن تندمَ أبداً يا صديقي!

 

 

 لإستماع للمدونة صوتيا خواطر مفكرة 🎙:


ساوند كلاود 🎧


https://cutt.ly/0FNeYg8


ابل بودكاست 🎧


https://cutt.ly/DFNeFGJ


إليك أيضا:

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

تقرير السفر والدليل الكامل لدولة تايلاند مايو 2022

أخطائي الثلاث مع الصيام المتقطع؟ وعن كيفية حلها!

كيفَ تعيشُ لعمرٍ أطولَ؟ تسعةُ أسبابٍ غيرِ متوقعةٍ تكشفُ لكَ المجهولَ!

ماذا لو كان راتبك بلا عمل ؟ العالم الوظيفي بمنظور جديد كليا !

لماذا كل شخص منا عليه أن يتعلم (علم البيانات) ليحظى بوظيفة مضمونة في المستقبل!